نصر حامد أبو زيد
87
الاتجاه العقلي في التفسير
دلالة . وخير مثال يوضح ذلك أن المجنون قد يتكلم بكلام مفيد ، بمعنى أن ألفاظه وعباراته من الممكن أن تفيد معاني سبقت المواضعة عليها بهذه الألفاظ وتلك العبارات ، لكن هذا الكلام الصادر عن المجنون لا يمكن أن يدلّ على قصده . أو بمعنى آخر لا يمكن أن يقع دلالة . ولذلك كله فلا بدّ - إلى جانب المواضعة - من أن يراعى حال المتكلم وقصده ليستدلّ بكلامه على ما يريد « وإنما اعتبر حال المتكلم لأنه لو تكلم به ولا يعرف المواضعة ، أو عرفها ونطق بها على سبيل ما يؤدّيه الحافظ ، أو يحكيه الحاكي ، أو يتلقنه المتلقن ، أو تكلم به من غير قصد لم يدل . فإذا تكلم به ، وقصد وجه المواضعة فلا بدّ من كونه دالا ، إذا علم من حاله أنه يبين مقاصده ، ولا يريد القبيح ولا يفعله ، فإذا تكاملت هذه الشروط فلا بدّ من كونه دالا ، ومتى لم تتكامل فموضوعه أن يدل ، وإن كان متى وقع ممن ليس هذا حاله ، لم يصح أن يستدلّ به » 162 . والسؤال الآن : كيف يمكن للمستمع أن يعرف قصد المتكلم حتى يستدلّ بكلامه ؟ وقد يبدو السؤال غريبا على الحس المعاصر الذي لا يفصل بين القصد والكلام ، ويعتبر الكلام دليلا على القصد ، بل هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة قصد المتكلم . أما اشتراط معرفة القصد - سلفا - قبل معرفة الكلام ، فهو أمر ينفي عن الكلام أي دور ايجابي في الدلالة على القصد . غير أن المعتزلة لم يكونوا يواجهون مثل هذا التساؤل ، ولم يكن يعنيهم الرد عليه أو حتى مناقشته . فالكلام عندهم هو الدلالة الشرعية عند الباقلاني . بمعنى أن الكلام - عندهم - هو كلام اللّه . وفي هذا الإطار يمكن فهم تمسكهم بشرط القصد - إلى جانب المواضعة - لوقوع الكلام دلالة ، وهو شرط لم يشر إليه الباقلاني وإن أشار للمواضعة واعتبرها شرطا . وفي هذا الإطار أيضا يمكن فهم اشتراطهم معرفة قصد المتكلم قبل الاستدلال بكلامه . فالمتكلم بالدلالة الشرعية هو اللّه عز وجل . وكما اشترط المعتزلة سبق المواضعة على كلام اللّه ، اشترطوا معرفة قصد اللّه . وهذه المعرفة - كما أسلفنا - هي معرفة صفة أفعاله وما يجوز عليه منها وما لا يجوز ، وهذه المعرفة عندهم معرفة عقلية سابقة - في الترتيب - على المعرفة الشرعية . وهكذا ينتهي المعتزلة في قضية الدلالة اللغوية إلى اعتبارها تابعة للدلالة العقلية ومترتبة عليها . ولمّا كان جذر الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة يكمن في هذه القضية - قضية المعرفة - فقد كان من الطبيعي أن يكتفي الأشاعرة بشرط المواضعة دون الإشارة إلى شرط القصد ، لأن القصد عندهم لا يمكن معرفته إلا بدلالة الكلام ، ولذلك وحّد الأشاعرة بين الكلام - الدلالة - والمعاني النفسية - المدلول - واعتبروهما شيئا